عبد الرحمن السهيلي
19
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
قالوا : مليح قزيح ، فمليح من ملحت القدر ، وقزيح من قزحتها إذا طيبت نكهتها بالأفاوية ، وهي الأقزاح ، وبذلك على بعد هذا المعنى من البياض قولهم : في الأسود : مليح ، وفي العينين إذا اشتد سوادهما وحسنهما كما جاء في تفسير قوله سبحانه : « وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » طه . أنها ملاحة في العينين ، وقال الأصمعي : الحسن في العينين ، والجمال في الأنف ، والملاحة في الفم . وقالت امرأة خالد بن صفوان لبعلها ، إنك لجميل يا أبا صفوان ، فقال : وكيف وليس عندي رداء الجمال ولا برنسه ولا عموده ؟ ثم قال : عموده الطول ، وأنا ربعة ، وبرنسه سواد الشعر ، وأنا أشمط ، ورداؤه البياض ، وأنا آدم ، ولكن قولي : إنك مليح ظريف . فعلمها أن الملاحة قد تكون من صفة لآدم ، فهي إذاً ليست من معنى البياض في شيء ، وإنما هي ضد المساسة . غيرة نساء النبي : والنظر إلى المرأة وقول عائشة في جويرية : فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها . فيه ما كان عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من الغيرة عليه ، والعلم بموقع الجمال منه ، كما قد روي أنه عليه السلام أنه خطب امرأة فأرسل عائشة لتنظر إليها ، فلما رجعت إليها قالت : ما رأيت طائلاً ، فقال : بلى لقد رأيت : خالاً قد خدها اقشعرت منه كل شعرة في جسدك . وأما نظره عليه السلام لجويرية حتى عرف من حسنها ما عرف ، فإنما ذلك لأنها كانت امرأة مملوكة ، ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها ، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء ، وجائز أن يكون نظر إليها ، لأنه نوى نكاحها ، كما نظر إلى المرأة التي قالت له : إني قد وهبت نفسي لك يا رسول الله ، فصعد فيها النظر ثم صوب ، ثم أنكحها من غيره ، وقد ثبت عنه عليه السلام الرخصة في النظر إلى المرأة عند إرادة نكاحها ، وقال للمغيرة حين شاوره في نكاح امرأة : لو نظرت إليها ، فإن ذلك أحرى أن يؤدم بينكما ، وقال مثل ذلك لمحمد بن مسلمة حين أراد نكاح ثبيتة بنت الضحاك ، وقد أجازه مالك في إحدى الروايتين عنه ذكرها ابن أبي زيد . وفي مسند البزار من طريق أبي بكرة : لا حرج أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد تزوجها ، وهي لا تشعر وفي تراجم البخاري : النظر إلى المرأة قبل التزويج ، وأورد في الباب قوله عليه السلام لعائشة : أريتك في المنامي يجيء بك الملك في سرقة من حرير ، فكشفت عن وجهك ، فقال : هذه امرأتك ، فقلت : إن يكن من عند الله يمضه . وهذا استدلال حسن . وفي قوله : إن يكن من عند الله سؤال ، لأن رؤياه وحي ، فكيف يشك في أنها من عند الله . والجواب : أنه لم يشك في صحة الرؤيا ، ولكن الرؤيا قد تكون على ظاهرها ، وقد تكون لمن هو نظير المرء أو سميه ، فمن ها هنا تطرق الشك ما بين أن تكون على ظاهرها ، أو لها تأويل كذلك ، وسمعت شيخنا يقول في معنى هذا الحديث ، ولغيره فيه قول لا أرضاه ، فلا يخلو نظره عليه السلام إليها من أحد الأمرين ، أو يكون ذلك قبل أن يضرب الحجاب ، وإلا فقد قال الله تعالى : « قُلْ للمؤمنين يَغُضُّوا من أبْصَارِهم » وهو إمام المتقين وقدوة الورعين صلى الله عليه وسلم . جويرية بنت الحارث : وأما جويرية فهي بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائد بن مالك بن جذيمة ، وجذيمة المصطلق من خزاعة ، كان اسمها برة ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية ، وقد روي مثل هذا في حديث ميمونة بنت الحارث وكذلك زينب بنت جحش ، كان اسمها برة أيضاً ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبته عليه السلام ، كان اسمها برة فسماهن جمع بغير ذلك الاسم ، توفيت جويرية في شهر ربيع الأول سنة ست أو خمس وخمسين من الهجرة ، وكانت قبل أن تسبى عند مسافع بن صفوان الخزاعي .